عمر فروخ

592

تاريخ الأدب العربي

ظلّ شديدا ، كما أنّ شعره ظلّ يفيض بذكرها . أمّا هي فأخذت في هجائه هجاء فاحشا مرّا ( راجع عددا من أبيات هجائها في نفح الطيب 4 : 205 - 206 ) . ثمّ أطلّت محنة ابن زيدون . كثر حسّاد ابن زيدون وخصومه في بلاط بني جهور وفي خارج بلاط بني جهور . وكان أشدّ هؤلاء عداوة له وأعظمهم أثرا الوزير أبو عامر بن عبدوس . فكتب ابن زيدون رسالته الجدّيّة وحاول فيها أن يحطّ من مقام ابن عبدوس في عيون ولّادة . ومع أن هذه الرسالة راجت بين الأدباء الذين أخذوا يتفكّهون بما سرده ابن زيدون فيها من معايب ابن عبدوس ، فإنّ ولّادة نفسها لم تتأثّر بهذا الأسلوب الجديد : فلا هي رقّت للمحبّ القديم ولا هي نفرت من المحبّ الجديد . وغيظ ابن عبدوس فجعل يلصق بابن زيدون تهما منها أنّه كان ميّالا إلى ردّ الحكم إلى بني أمية - تهمة كانت شائعة يومذاك - فأمر أبو الحزم جهور بحبس ابن زيدون ( في 14 من رجب سنة 433 ه ) . جعل ابن زيدون يوالي القصائد إلى أبي الحزم وإلى نفر آخرين ليشفعوا له عند أبي الحزم : كتب إلى أبي الوليد بن أبي الحزم وإلى الشاعر ابن برد وإلى شيخه القديم أبي بكر مسلم بن أحمد القرطبي فلم يستطع أحد منهم أن يعطف قلب أبي الحزم على ابن زيدون . واقترحوا على ابن زيدون أن يهرب من سجنه ، فلم يقبل في أوّل الأمر ، ولكنّه عاد فقبل واستطاع الهرب ( بمساعدة أبي الوليد بن أبي الحزم ) . وطاف ابن زيدون في قرطبة متخفّيا لعلّه يلقى ولّادة فلم يلقها ، فكتب إليها بقصيدته المشهورة « أضحى التنائي بديلا من تدانينا » فلم تردّ عليه . ثمّ بعث إليها بالقصيدة « إنّي ذكرتك في الزهراء مشتاقا » فلم تردّ عليه أيضا . وأخيرا بعث بقصيدته الطائية « شحطنا وما للدار نأي ولا شحط » إلى شيخه القديم أبي بكر مسلم ابن أحمد يشكو حاله ويستشفع به إلى أبي الحزم . فنجحت الشفاعة فاستعاد ابن زيدون رضا أبي الحزم واستقرّ في قرطبة . وفي سنة 435 ه توفّي أبو الحزم بن جهور وخلفه ابنه أبو الوليد في حكم قرطبة فقرّب ابن زيدون . ويبدو أن ابن زيدون لم ينس حبّ ولّادة فأراد أبو الوليد أن